العودة للمدونة
١٨ مارس ٢٠٢٦

القدرة على الترك هي التي تعطي للتمسك معناه

فكرة "الاختيار لا الاضطرار" هي الجوهر الذي يميز العلاقات الصحية والمتينة عن العلاقات القائمة على الاحتياج الهش. عندما نحب "باختيارنا"، فنحن نمارس أسمى مراتب الحرية الإنسانية، أما عندما نحب "اضطراراً"، فنحن نمارس نوعاً من العبودية النفسية المُغلفة بمشاعر الود.
---
الفرق بين "أحبك لأنني أحتاجك" و"أحتاجك لأنني أحبك"..
لخص عالم النفس إريك فروم (Erich Fromm) هذا المفهوم بدقة حين قال:
"Immature love says: 'I love you because I need you.' Mature love says: 'I need you because I love you.'"
"الحب غير الناضج يقول: أحبك لأنني أحتاج إليك. الحب الناضج يقول: أحتاج إليك لأنني أحبك."
في "الاضطرار"، يكون الدافع هو النقص؛ أنت تتمسك بالآخر لأنك تخشى الفراغ، أو تخشى مواجهة نفسك، أو تخشى كلام المجتمع. هنا، الآخر ليس شريكاً بل هو "مسكن آلام" أو "سد ثغرات". أما في "الاختيار"، فأنت شخص مكتمل، تختار أن تشارك حياتك مع شخص آخر لتضيف لجمال حياتك جمالاً، لا لتنتشل نفسك من الغرق.
---
القاعدة الذهبية تقول: "لا يمكنك أن تختار البقاء حقاً، ما لم تكن قادراً على الرحيل."
إذا كنت لا تملك القدرة على التخلي (الترك)، فإن بقاءك مع الطرف الآخر ليس وفاءً، بل هو "عجز". الوفاء الحقيقي هو أن تملك ألف باب للرحيل، وتملك القدرة النفسية والمادية على المضي قدماً، ومع ذلك تختار -بكامل إرادتك- أن تغلق الأبواب وتقف بجانب من تحب.
وكما قيل في الحكمة العربية:
"أزهد الناس فيك، من وثق بتمسكك به اضطراراً."
---
هناك استعارة جميلة في الفلسفة الشرقية تقول إن الحب يجب أن يكون مثل طائر يقف على كف يدك المفتوحة. إذا أطبقت يدك عليه خوفاً من هروبه (الاضطرار والتعلق)، فستقتله أو تخنقه. لكن إذا أبقيت يدك مفتوحة (الاختيار)، وبقي الطائر مكانه، فهذا هو الحب الحقيقي.
---
الخلاصة:
القدرة على "الترك" هي التي تعطي لـ "التمسك" معناه. الشخص الذي يتدرب على الاستغناء، هو الوحيد الذي يملك ترف "الاختيار".
فلا تكن متمسكاً لأنك "لا تستطيع التخلي"، بل كن متمسكاً لأنك "لا تريد التخلي" رغم قدرتك عليه.